أزمة الحركة القومية 

شهرين مضت
69

اتقدم اليكم بهذه الرؤية التي من خلالها اسلط الضوء على ازمة الحركة القومية والذي ارجوه ان تكون بداية وجهد متواضع مني يستحق القراءة والإهتمام كمحاولة لتصحيح واقعنا القومي .

علينا أن نعترف أن هناك أزمة حقيقية مركبّه تواجهها الحركة القومية وأن الأزمة ليست متزامنه مع سقوط الأنظمة القومية أو ما كان يُعرف بالحواضن القومية ، الأزمة تمتد لعقود زمنية وترافق نشوئها مع صعود الأنظمة القومية على هرم السلطة وممارساتها في الدول التي كانت محكومة بتيارات القومية العربية الرئيسية ، البعث والناصريه وحركة القوميين العرب لذا علينا أن نُدرك حقيقة الأزمة التي تعيشها الحركة القومية و نعمل على تعريفها بعمق بلا محظورات وبلا محددات حتى يكون ذلك بداية فعلية وصحيحةلإعادة التموضع التاريخي للفكر القومي أولاً ومن ثم لحركة قومية نضالية لديها حضورها وزخمها الجماهيري في الشارع العربي في ظل متغيرات يشهدها العالم الذي بات يتجه لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة وظهور نظام القطبية الإمبريالية الأمريكية التي نشرت الفوضى والخراب في كوكب الأرض ، هذه المرحلة الإنتقالية التي يعيشها العالم اليوم تحتاج من القيادات القومية بمختلف توجهاتها وتياراتها أن ترفع الشعار التاريخي الذي اعلنه ذات يوم أحد المناضلين في الثورة الجزائرية يوسف زيروت بطل عملية اغسطس 1957م عندما قال (( لقد رمينا بكفاحنا إلى الشعب فإن شاء احتضنه وإن أبا فليسقط )) وهو الأمر الذي يتطلب منا وقفة للمراجعة التاريخية حول طرق وأساليب ووسائل إعادة بناء العمل في أوساط الجماهير العربية ، الجماهير التي للأسف الشديد باتت تعيش حالة من التشظي والإنقسام ، لكن العمل وفق ثوابت الأمة وبعيداً عن سياسات الإحتواء والإقصاء وايجاد المشروع القومي الجامع والجاذب بمشركاته وثوابته القومية قد يدشن مرحلة جديدة في قيادة العمل الجماهيري ، وحتى لا أطيل وللدخول في صلب العوامل والمسببات التي قادت الحركة القومية إلى التراجع والإنحسار أحاول هنا تقديم بعض تلك العوامل والمسببات التي أوصلت الحركة القوميه إلى ماهي عليه الأن ، وهذه الأسباب لا بد من دراستها وأثرائها بالبحث ومن خلال الندوات الفكرية التي تقدم الحلول والمعالجات الحقيقيه لإخراجها من واقعها الكارثي ، من بعض تلك الأسباب ما يلي :-

*- علينا أن نعترف قبل كل شيء أننا عشنا سياقًا قوميًا كما عاشته الأمم الأخرى وكنا نمتلك الإطار النظري للفكرة ومحدداتها مكرهاتها محضوراتها موجباتها فكان أن التقطت الأمم المقسّمه اللحظة التاريخية وتوحّدت قوميًا وهو الأمر الذي حدث عكسه تمامًا في الحاله العربية طبيعة الكيانات والدول التي نشأت على ضوء سايكس بيكو سيئة الصيت ومشروعها لتجذير القطرية وتكريس التقسيم ، ووعد بلفور المشؤوم الذي زرع كيانًا دخيلاً في جسد الأمة العربية ، وكانت تلك المشاريع المعادية للعرب تندرج في إطار مؤتمر لندن الذي دعا إليه كيمبل بانريمان رئيس وزراء بريطانيا الذي انعقد على مراحل في ابتداءً من سنة 1904 وحتى سنة 1907 وقرر اعتبار العرب كأمة هي العدو التاريخي لأوروبا ومخرجات وتوصيات المؤتمر معروفة لدى كل القوميين العرب ، ومع نشوء الفكرة القومية كفكرة جامعة للمثقفين العرب ظلت على مستوى النخب والمثقفين العرب ترواح مكانها بين المثقف المنحاز للقومية العربية كهوية ثقافية للعرب وبين من أجبرهم السياق التاريخي لركوب موجة المد القومي من أفراد بقوا مشدودين للذاتيه ولديهم تلك الحساسية المفُرطه والخوف من تغليب ما هوقومي على ماهو قطري مثال تجربة حزب البعث في سوريا والعراق وموقفه من القيادة القومية التي جرى عزلها وتقزيمها في الإشراف على التنظيمات القومية للحزب دون أن يكون لها أي حق في أن تكون المرجعية لكلا القيادتين البعثية التي تحكم سوريا والعراق ، وهذا النموذج ينطبق على الحاله في مصر الناصريه وحتى في ليبيا القذافيه وينطبق كذلك على حركة القوميين العرب التي سيطرت على الحكم في جنوب اليمن .وهو ما يظهر بجلاء من وجود بعض التنظيمات الناصرية التي هيمنت عليها المناطقية الجهوية ولم تكن قادرة بفعل بنيويتها التنظيمية على تغطية نطاقها الجغرافي القطري .

* – معظم الحركات القومية والتنظيمات القومية أو جلها قامت بعملية واسعة لتجريف المثقفيين من داخل التنظيمات القومية بمختلف توجهاتها على حساب الولاء للفرد والمنطقة والقبيلة والمذهب والطائفه وحتى الذي من طائفه اخرى عليه أن يتحول للولاء للفرد قبل كل الولاء للحزب والتنظيم وهذا يظهر بوضوح في الحالة السوريه والعراقيه واليمنيه تجربة اليمن الجنوبي الجبهة القوميه ويظهر كذلك في الحاله الليبيه ،ابعاد المثقف لصالح القبيله والسلطه من فؤاد الركابي إلى أكرم الحوراني إلى أخره .

*- معظم التجارب القوميه ما أن تصل إلى السلطه حتى يبدأ نوع جديد من الصراعات الثنائيه الثنائيه بين الرجل الأول والرجل الثاني السلطة والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة في كافة الدول القومية في الاطار ذاته يبدأ الصراع بين الأجنحة حيث يتضح بعد فترة أنهم لم يكونوا اتجاهًا فكريًا سياسيًا واحداً بل اشبه بتكتل يحتوي اراء ورؤى متعددة جعلت التنظيمات والأحزاب الحاكمة تبدو كما لو أنها فسيفساء سياسية غير متجانسة وهنا جاء بريق السلطة وشهوة الحكم التي كانت كفيله بإظهار المناضلين أنهم لم يكونوا سوى طلاب سلطة لا أكثر حدث ذلك الصراع في معظم او كل التجارب السياسية التي وصل بها القوميون إلى السلطة ،كيف ولماذا حدثت تلك الصراعات ومن هو السبب مسأله اخرى لكن في كلا الحالات تصرف الجميع بعقلية السياسي لا بعقلية المناضل صاحب المشروع والمؤمن بالقومية العربية .

.* -التقليدية المفُرطة في العمل والممارسة بلا ابداع على مستوى السلطه او على مستوى الأوعيه التنظيمية التابعه لها .

.* – ارتباط كثير من القوى القومية بالدولة القومية وامكاناتها المادية والمعنوية وليس بالمشروع القومي ذاته وبمجرد انتهاء وسقوط الدول والحواضن القومية اتضحت الحقيقه المُؤلمه وهي أنه طوال عقود من كان يتواجد في المشهد هم أدعياء القومية وليس انقياء الفكر القومي والدليل على ذلك مانراه اليوم من مكونات العمل القومي الذي ارتمى رموزه في معسكرين متناقضين وكِلا المعسكرين مُعاديين للقومية العربية كمشروع وهما المعسكر الإيراني والمعسكر الرجعي السعودي .

* -التمظّهر الفكري وليس الابداع والايمان باالمشروع الذي يحتاج إلى تلك الحالة من الجدل التي لاتتوقف فقد جرى تجريم وتسفيه العديد من المشاريع التي لم تتبناها ما عُرف بالعواصم والحواضن القومية بل ووصل الأمر إلى أننا حتى ونحن في اطار العمل القومي لم نكن قادرين على التعبير عن الفكرة و إذا ما فعلت وتجرأت وقدمت رؤيتك حتمًا سيكون مآلك القصف و بقوة وسوف يظهروك انك القاصف وهذا الأمر يقودنا إلى طبيعة التجربه التي لا تعترف بالآخر حتى في اطار الفكرة والطرح الواحد وهو الأمر الذي جعلها تبدو أشبه بالجسد المحنط ،التربية الاقصائيه نتيجة حالة التمظهر الزائف هي من اغتالت التجربه .

.*- ما سبق يتطلب منا إلى معرفة وتشريح بنيوية وتركيبة الدولة القومية بتركيبتها ببعدها المناطقي والجهوي والمذهبي التي انتصرت على المشروع القومي وباتت تتحكم فيه حيث صار المشروع تابعًا للدولة وليس العكس وهنا سنكتشف الجريمة السياسية التاريخية التي اُرتكبت ضد المشروع القومي .

* عدم وجود البديل الجاذب للحركات الرجعية والظلامية التي بدأت تنتعش كمشاريع مضادة مدعومة من النظم الرجعية والقوى الامبريالية لضرب القوى القومية والتقدمية بداية من مؤامرة 15 مايو1971م في مصر السادات ومروراً بفشل حركة 15 اكتوبر 1978م الناصريه في اليمن وضرب التيار القومي في موريتانيا ابريل 1984م وخارطة الاعتقالات في الوطن العربي والتي شكلت المقدمه لتصفية وضرب التيار القومي ومهدت الطريق لقوى الظلام للسيطرة على الشارع العربي واختطافه وقد كان الرد من قِبل المتمظهرين من أدعياء القومية العربية والمتمسحين برادائها الذين وجدوا الفرصة سانحة للتموضع في اطار الدولة القومية أن ينحازوا إلى قوى الظلام ، فالدولة القومية التي اعتمدت مبدأ اهل الثقة وليس اهل الفكرة لم تكن تمتلك الرؤية ولا الأدوات في مواجهة تلك المشاريع لكونها أصبحت فارغه جوفاء من الداخل .

.*- شكلت الفكرة لدى البعض وسيلة للكسب وباتت العديد من الحواضن القوميه اشبه بحالة مفسدة ومفسدة تكبر وتتسع يومًا بعد آخر .

* -ظهور أكثر من تنظيم قومي من نفس التيار يؤكد ان البعض كان يبحث عن الذات وليس عن مصلحة الأمة وهذا ما قاد إلى تشويه العمل القومي وضربه بعمق وتفريغه , ولنا في مرحلة الحرب الأهلية في لبنان تحالفاتها صراعاتها نماذج عديدة في التخبط والعشوائية والانتهازية الرخيصة .

* – على عكس رؤية رواد الفكر القومي الذين اشتغلوا على خلق فضاء لمستقبل عربي جدير بالأمة العربية يضمن للعرب تحقيق الكرامة والعدل والحرية فإن معظم الصراعات بين التيار القومي كانت تتكئ على الموروث الماضوي القديم والفهم الخاطئ للتاريخ أو على صراعات الماضي القريب بين النُخب العربية وقياداتها السياسية خلاف عبدالناصر والبعث وخلاف البعث مع البعث والصراع بين الناصرية وبين التيار العصمتي جماعة عصمت سيف الدوله وبين ناصرية القذافي الخضراء والحركات الناصرية الكلاسيكية .، على ضوء ذلك ظهرت اجنحة مناطقية ومذهبية اختطفت العمل القومي المحصلة النهائية لتلك الحالة من التشظي والخراب كانت الاشتغال على المشهد والمرحلة بعقلية اجترار التراث لابعقلية روح العصر ، ببعدها الثوري والتقدمي وخروج المثقف القومي من الحركات القومية بصورة مُحزنه لصالح القوى العشائرية ومجموعة أهل الثقة وتيار مناطقي واسع سيطّر على الحركة القومية واختصر التاريخ وحرق المراحل للوصول بها إلى مرحلة الوئد والأغتيال . .

*-التعاطي مع الفكرة بعقلية ثبات النص لا بعقلية حركية المضمون هناك سلفية قومية مقيتة قتلت الفكرة ، ومنعت تمددها فبدت الفكرة وكأنها لاتمتلك ذلك الميكانيزم المتحرك باستمرار ،فدب الجمود أمام ظهور تيارات حداثية استطاعت ان تخلق حالة من الجدل والديالكتيك في اوساط المثقفين العرب اليسار الجديد على سبيل المثال .

* – نتيجة لحالة الفشل والإنسداد السياسي والفكري وتوقف الميكانيزم السياسي جاء ظهور تيارات تساوميه متعددة من داخل الحركة القومية حاولت الاقتراب من التيارات الاخرى تحت شعار الواقعية والعقلانية والموضوعية على حساب التيار القومي، وهنا كانت عملية الإ حتواء من قبل التيارات المضادة للمشروع القومي وهنا شهدنا التغيّر الفكري لدى العديد من قيادات ورموز التيار القومي وتحولها نحو القوى المضادة والرجعية العربية .

* – ورث الجيل القومي الجديد العديد من الصراعات الفكرية بين جيل الرواد والتي كانت حالة جدل متقدمة لكن فهمه الخاطئ وّلد حالة من التشظي في المشهد القومي .

* -عدم قراءة القوى القومية للمشهد السياسي العربي والدولي ساعد في ضرب القوى القومية في سياق زمني واحد لصالح التيار الظلامي والاسلام السياسي المتحالف مع القوى الاستعمارية .

* – عدم تفريق الحركة القومية بين دورها السياسي ومشروعها القومي النهضوي وتم تغليب السياسي على النضالي في نهاية الأمر .

سابع عشر- الاصرار على مقولة الاقليم القاعدة للعمل القومي وهو ما قاد الى تجريف العمل القومي في العديد من ساحات الوطن العربي الكبير .

*- عدم وجود ميثاق شرف قومي الامر الذي قاد الى تحالفات مع القوى المضادة للقومية العربية قادت إلى ضرب العمل القومي .

* – اهمال العمل النقابي والجماهيري اوصلت التيار القومي إلى حالة أشبه بالعزلة ، عن الجماهير .وبدأت الأنظمة القومية التي وصلت إلى هرم السلطة بضرب الاتحادات والنقابات والروابط المهنيه بقوة وقسوة كون وصولها للسلطة كان يعتبر هو نهاية المطاف ولا داعي لوجودها في المشهد باعتبار الاحزاب والتنظيمات القومية هي وحدها صوت الجماهير ولا صوت يعلو على صوت الحزب أو التنظيم القومي الذي في السلطة مما حول تلك الأنظمة إلى انظمة دكتاتورية قمعية .

* – تركيبة وبنيوية الاحزاب القومية الطاردة للكفاءات وعدم وجود التغيير الديمقراطي والتداول السلمي في الهيئات المختلفة .عقدة القيادة التاريخية التي تبقى مدى الحياة وهي حالة شبيهه بالأنظمة (( الأوتوقراطية )) ووصل الأمر إلى أن تلك الدكتاتوريات تتناسل وتنقل جزء من صلاحياتها للأبناء .

* – عدم الاعتراف بالتنوع الثقافي وبالديمقراطية وحقوق الانسان وهي القضايا الجوهريه التي اغفلها واسقطها القوميون العرب من حساباتهم فا شتغل عليهم الاستعمار والقوى العميلة من التيار الليبرالي ودعاة التغريب ، كان يمكن ان يكون لنا نظامنا الديمقراطي الخاص بنا كأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة .

* – وصول الاحزاب القومية الى السلطة مع نقاباتها وروابطها المهنية واتحاداتها الطلابية ، مما جعلها تعتقد أنها الممثل الشرعي والوحيد للجماهير العربية وقامت بذات الممارسات الاقصائية ضد النقابات والروابط المهنية واستخدمت نفس ادوات الاقصاء للانظمة التي سبقت وصولها الى السلطة وهذا جعلها تبدوكأدوات قمع جديدة .

* -المؤامرات الاقليمية والدولية التي وضعت نصب عينيها اسقاط الانظمة القومية حيث تم ضرب الأنظمة القومية بكافة التيارات من خلال الانتفاضات والمشاريع المعادية الجيل الرابع من الحروب كما هو الحال في خريف العرب ٢٠١١م ولولا تراكم الأخطاء من قِبل الأنظمة القومية ومشاريع التوريث وغياب الديمقراطية ودولة الحكم الرشيد لما وجدت المؤامرات الإقليمية الرجعية والدولية الامبريالية طريقها للنجاح .

*للخروج من المأزق التاريخي يتم العمل وفق المبادئ والثوابت القومية من اجل الوصول الى الحركة العربية الواحدة ببعدها الجماهيري الشعبي ومن خلال خدمة الجماهير اجتماعيًا بما من شأنه خلق الغد العربي المشرق الوضاءعلينا إجراء مراجعة تاريخية حقيقيه من شأنها التأسيس للفكرة القومية التي تتناغم مع المتغيرات التي يشهدها العالم وتتناسب مع الجيل العربي الجديد ولديها قوة فكرية جاذبه تستطيع التعامل مع ايقاع العصر تأخذ في الإعتبار البُعد الثقافي والجغرافي والاقتصادي للأمة العربية كجغرافية واحدة وتستفيد من أخطاء الماضي تنقدها وتعيد تقويمها لصياغة ميثاق عمل قومي جديد .

الكاتب/ عبدالرحمن الرياني

التصنيفات : كتابات

1 تعليق على “أزمة الحركة القومية ”

التعليقات مغلقه