تداعيات تساقط الأسطورة

شهرين مضت
47

بغداد تايمز

كل من تابعوا الحدث الفلسطينى الجلل الذى وقع يوم الأربعاء الماضى (11/5/2022) فى مدينة جنين الصامدة عندما اغتال جيش الاحتلال الإسرائيلى الإعلامية شيرين أبو عاقلة أمام أعين العالم كله فى مقدورهم التأكيد بيقين أن اغتيال الشهيدة كان بأوامر من الدولة وليس فقط من الجيش أو من الجندى الذى صوب رصاصته إلى رأس شيرين، يؤكد هذا اليقين مجموعة الجرائم التى أُرتكبت بحق جثمان الشهيدة وجنازتها منذ أن غادر الجثمان التشييع الرسمى الفلسطينى للشهيدة فى رام الله. فإذ كان قرار اغتيال شيرين قد صدر لإخفاء ما سوف يُرتكب من جرائم ضد أهالى مدينة جنين وضد أهالى مخيم جنين ضمن المخطط الإسرائيلى الإرهابى الذى أعطوه اسم “كاسر الأمواج” ويستهدف وقف موجة العمليات الفدائية الفلسطينية التى هزت بعنف منظومة الأمن القومى الإسرائيلية فى أخطر حلقاتها وهى “الجبهة الداخلية الإسرائيلية” التى تمثل أخطر مناطق الضعف فى هذه المنظومة، فإن الجرائم التى أُرتكبت ضد جنازة الشهيدة، ورآها كل العالم كشفت أن كيان الاحتلال وصل إلى أعلى درجات التوتر وفقدان الثقة فى النفس، إذ لم يستطع تحمل مشاهدة أعلام فلسطين وهى ترفرف فوق نعش الشهيدة وتملأ ميادين وشوارع القدس، ولم يستطع الإنصات للأغانى الوطنية الفلسطينية التى تتغنى بالوطن وتؤكد أن موعد العودة قد اقترب، وأنه لا تفريط فى حق واحد من الحقوق الفلسطينية، بقدر ما تؤكد أن الهدف لم يعد الجرى وراء سراب دويلة فلسطينية حتى لو كانت كاملة السيادة على الأراضى المحتلة عام 1967، ليس فقط لأن الشعب الفلسطينى وأجياله الشابة ، التى ولدت بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، لم تعد تثق فى أن الكيان يمكن أن يقبل بقيام مثل هذه الدويلة، بل أيضاً لأن مثل هذه الدويلة وخيار “حل الدولتين” لم يعد يتسع لأحلام هذه الأجيال التى كسحت كل أكاذيب الدعاية الإسرائيلية وما تحمله من مكونات “الراوية الإسرائيلية” عن فلسطين وعن الصراع، وراحت تحلم وتقاتل وتعمل من أجل دولة فلسطينية على كل أرض فلسطين.

كان المشهد شديد القسوة أمام النخبة الحاكمة فى كيان الاحتلال. فالصورة الذهنية التى عمل قادة هذا الكيان على تخليقها ثم الترويج لها إسرائيلياً وفلسطينياً وعربياً وإقليمياً ودولياً عن إسرائيل الديمقراطية وإسرائيل أرض السلام والاستقرار والرخاء، وإسرائيل القوة العظمى الإقليمية كل هذا أخذ يتساقط وتتكشف أكاذيبه، وبالذات أكذوبة أن “إسرائيل ليست دولة احتلال” وأن الضفة الغربية ليست أرضاً محتلة، بل هى أرض إسرائيل، وأن حروب إسرائيل كانت حروب استقلال لتحرير أرض إسرائيل من المغتصبين العرب، وأنه لا وجود لشعب فلسطينى، وأن إسرائيل أضحت معترفاً بها عربياً وأن الكثير من الحكومات العربية تتسابق من أجل السلام معها وكسب صداقاتها .

كل هذا أخذ يتهاوى فى السنوات الأخيرة وبالذات منذ الحرب التى وقعت فى مايو من العام الماضى وأعطاها الفلسطينيون اسم “سيف القدس” وفرضت معادلة عسكرية جديدة أكدتها فصائل المقاومة الفلسطينية فى قطاع غزة بأن “أى اعتداء إسرائيلى على المسجد الأقصى ستدفع ثمنه إسرائيل غالياً” .

كان أبرز مخرجات ونتائج تلك الحرب ليس فقط أن صواريخ المقاومة الفلسطينية باتت قادرة على الوصول إلى أى هدف داخل كيان الاحتلال، بل أيضاً تحول الشعب الفلسطينى داخل الكيان الإسرائيلى إلى طرف أصيل فى معادلة الصراع الفلسطينى- الإسرائيلى . ووجد الكيان نفسه محاصراً بثلاث جبهات فلسطينية واحدة فى غزة والثانية فى الضفة الغربية والثالثة داخل الكيان.

وعلى مدى عام كامل من مايو 2021 إلى مايو 2022 أخذت هذه التحولات تترسخ وتتقوى فى هذه الجبهات الثلاث. توالى العمليات الفدائية التى تقع فى الضفة الغربية وداخل الكيان رداً على تهديدات اليمين الإسرائيلى المتطرف للمسجد الأقصى ودخول شباب فلسطين داخل كيان الاحتلال ضمن هذه المعادلة، وخطاب يحيى السنوار رئيس حركة “حماس” فى قطاع غزة الذى هدد فيه الإسرائيليين أقوى تهديد إذا هم جددوا اعتدائهم على المسجد الأقصى أخذ يُنبئ بأن النسخة الثانية والأقوى لـ “معركة سيف القدس الثانية باتت وشيكة”، وأن التحول الفلسطينى أخذ فى التراكم .

خطة جيش الاحتلال التى أعطوها اسم “كاسر الأمواج” أعطت الأولوية لاقتلاع جذور المقاومة أولاً فى مدينة جنين ومخيمها، لذلك كان لابد من منع نقل أى صورة أو مشهد للمجازر التى كانوا يجهزون لارتكابها، من هنا كان قرار تصفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة، لكن مشهد الجنازة الرسمية والشعبية للشهيدة كان مروعاً لقادة الاحتلال الذين صُدموا بردود الفعل الدولية، ومنها الأمريكية، الرافضة والمستنكرة لاغتيال الشهيدة، فقد حولت الجنازة مدينة القدس إلى “عُرس فلسطينى” واكتسحت كل أكاذيب أن “القدس ليست مدينة محتلة بل عاصمة أبدية لإسرائيل”. فقد شاهد القاصى والدانى أن القدس، وهى تستقبل إبنتها الشهيدة، مدينة فلسطينية محتلة خالصة، ولاؤها لأبنائها المخلصين، ولا مكان بها للاحتلال.

سقطت الأسطورة الإسرائيلية فى القدس وعرف العالم كله أن الشعب الفلسطينى شعب يخضع لأسوأ أنواع الاحتلال والاستعمار فى العالم، وأن المحتل والمستعمر الإسرائيلى يرتكب أبشع أنواع الفصل العنصرى، ويوماً بعد يوم يمكن أن تتبدل المعادلة في كل ما تقوله الدعاية الإسرائيلية والدعاية الغربية الموالية عن “الإرهاب” الفلسطينى، وعن “المنظمات الإرهابية الفلسطينية” سوف يتحول، إذا ما أخذت التحولات التى تحدث الآن على الأرض الفلسطينية تتراكم وتتجذر كى يعترف العالم كله بحق الشعب الفلسطينى المشروع فى المقاومة والدفاع عن النفس وتحرير أرضه المحتلة، وتتحول المنظمات الفلسطينية إلى “منظمات مقاومة مشروعة” تقود نضال الشعب الفلسطينى، فى حين تصبح قوات الاحتلال الإسرائيلى متهمة بـ “إرهاب الدولة”، ويوماً بعد يوم تتوارى الرواية الإسرائيلية المكذوبة للصراع فى فلسطين لتحل محلها “الرواية الفلسطينية” لتُصدم إسرائيل بسقوط كل ما كانت تأمله من عمليات “كى الوعى” الفلسطينى والعربى والعالمى، ويجد الكل نفسه أمام حقيقة أن فلسطين أرض عربية محتلة، وأن إسرائيل كيان احتلال عنصرى، وأن المقاومة هى السبيل لتخليق صورة ذهنية بديلة للصورة التى عمل الإسرائيليون من أجل ترسيخها على مدى عمر الكيان الذى احتفلوا أمس الأول الأحد (15 مايو/ آيار 2022) بذكرى تأسيسه الرابعة والسبعين، فى وقت يزداد فيه يقينهم بأن كل عام جديد من عمر هذا الكيان يقترب بهم من نهاية كيانهم، وأن العقد الثامن الذى بدأ منذ أربعة أعوام يسرع بهم إلى تلك النهاية المحتومة وهى الزوال، بشهادة كبار قادته وجنرالاته وبشهادة التفكك الذى أخذ ينهش فى جسد هذا الكيان وتآكل أنسجة مكوناته الاجتماعية وتدنى مكانة الجيش شعبياً الذى كان أهم رموزه مع تعرى جرائمه يوماً بعد يوم .

 

الكاتب الدكتور

محمد السعيد إدريس

التصنيفات : كتابات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان