قراءة في قواعد الصراع على جبهة “إسرائيل” الشمالية

أسبوعين مضت
50

بغداد تايمز

ربما يظن بعض الذين ولدوا في العقدين أو العقود الثلاثة الفائتة أن الخطاب الذي يسوَّق ضد حـ.ـzب الله في لبنان محلياً وعربياً، وخصوصاً منذ حرب صيف 2006، جديدُ المفردات والمحتوى، أو أن العداء له نابعٌ من خصوصيات تموضع حـ.ـzب الله في البيئة اللبنانية وأثرها فيها.

 

وربما تساعد تلك الخصوصيات في تفسير لون الصياغات المحددة للمقولات المناهضة للمـ.ـقـ.ـاومة في لبنان اليوم، لكنّ تلك ألوانها وظلالها الموسمية فحسب التي لا تحجب عن العين المدققة كونها مستلّةً ومهجّنةً من سلالات الشجرة الخبيثة ذاتها التي طالما ناهضت كل ظاهرة مـ.ـقـ.ـاومة في لبنان قبل حـ.ـzب الله، وكونها تتشابه معها في جذورها وارتباطاتها وجذعها وتركيبتها وغصونها وأوراقها وثمارها السامة، وفي نوعية المركبات الكيميائية والعناصر التي تتغذى عليها لبنانياً وإقليمياً، وحتى في سمية ثاني أوكسيد الكبريت الذي تنفثه في الفضاء العام.

 

انطلقت الحملة المحرضة على المـ.ـقـ.ـاومة في لبنان بعد اتفاق القاهرة، الموقّع بين الدولة اللبنانية والمـ.ـقـ.ـاومة الفلسطينية، في 3/11/1969، برعاية مصر عبد الناصر، وكان اتفاقاً شرعن العمل الفدائي ضد العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني انطلاقاً من الجبهة اللبنانية في أجواء حرب الاستنزاف التي كانت تقودها مصر آنذاك ضد “إسرائيل” على خلفية هزيمة الـ 67.

 

وبعد وقف إطلاق النار في آب / أغسطس 1970، وارتقاء جمال عبد الناصر في الشهر الذي تلاه، دشن أنور السادات انقلاباً أمريكياً في المشهد السياسي، مصرياً وعربياً، ليفتح الباب، بالتالي، أمام عصر هيمنة البترودولار على القرار الرسمي العربي، وعلى الحياة السياسية العربية بصورةٍ عامة، الأمر الذي ترافق مع الدفع باتجاه “تسوية الصراع العربي-الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني سياسياً”.

 

أدى بقاء المـ.ـقـ.ـاومة الفلسطينية خارج معادلات تجميد القتال، في أجواء الانقلاب الساداتي، وتحولها تالياً إلى علامةٍ فارقةٍ ونقطةٍ جاذبةٍ للشباب العربي انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، وخصوصاً بعد إخراجها من الأردن بين عامي 1970 و1971، إلى جعل شيطنتها والتحريض عليها، وصولاً إلى القضاء عليها كظاهرة، استحقاقاً أمريكياً وصـ.ـهـ.ـيـ.ـونياً ورسمياً عربياً تجلت مفاعليه في مسارين:

أ – مسار فرض نهج التسوية والاستسلام داخل مـ.ـنظـ.ـمة الــتـ.ـحـ.ـرير الفلسطيـ.ـنـ.ـية.

ب – مسار تأليب البيئة اللبنانية الحاضنة بشدة للمـ.ـقـ.ـاومة الفلسطينية والعمل الفـ.ـدائـ.ـي عليها.

 

منذ ذلك الوقت، اتخذ الخطاب المناهض للمـ.ـقـ.ـاومة المعالم الآتية، وما أشبه اليوم بالأمس:

أ – التركيز على عدم لبنانيتها، وربطها بأجندات غير لبنانية “غريبة” عن لبنان واللبنانيين.

ب – التحشيد طائفياً لإنتاج شرخ يشق لبنان عمودياً عبر تسليط الضوء على أثر صعود المـ.ـقـ.ـاومة في الإخلال بموازين القوى بين الطوائف اللبنانية، من ميثاق 1943 والميزان المسيحي-المسلم سابقاً، إلى اتفاق الطائف والميزان السني-الشيعي حالياً، من أجل تحويل المـ.ـقـ.ـاومة إلى “قضية خلافية” لبنانياً.

ج – إثارة مشكلة “السلاح غير الشرعي” الذي “يقوض سيادة الدولة اللبنانية” عند كل مفصل ممكن، من دون الإشارة إلى سلاح الميليشيات المناهضة للمـ.ـقـ.ـاومة وبيئتها الحاضنة، أو إلى صلاتها الخارجية المشبوهة.

د – السعي لزج الدولة اللبنانية ومؤسساتها في حروب استئصال للمـ.ـقـ.ـاومة وامتداداتها، الأمر الذي أدى إلى عدة صدامات مسلـ.ـحة قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وأدى إلى انقسام الجيش في الحرب الأهلية.

هـ – التذرع بأن لبنان الصغير لا يقوى على مواجهة العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني وحده، مع التظاهر بالعداء له، والتلطي خلف شعار “قومية المعركة” للاتساق مع الأنظمة العربية المروجة للتسوية مع العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني، مع أن ذلك الشعار يعني إسناد المـ.ـقـ.ـاومة الفلسطينية، لا محاولة وقفها.

و – الزعم بأن “لبنان المعتمد اقتصادُه على التجارة والخدمات السياحية والمصرفية” لن يبقى “سويسرا الشرق” أو “درته” إذا تبنى نهج المـ.ـقـ.ـاومة، وسيتحول بالتالي إلى “دولة فاشلة”، بحسب النسخة المحدثة لذلك الخطاب، من دون الإشارة إلى الحصار والعقوبات ومخططات إفشال الدول المستقلة عمداً، وإلى أن الاقتصاد المنتج هو ما ينهض بالبلدان، لا الكازينوهات والمقامرة المالية.

ز – العمل الدؤوب على إبراز مواصفات “استثنائية لبنانية”، “فينيقية” أو “غربية”، أصبحت ليبرالية في النسخة المحدثة، تحيّد العداء مع الاحـ.ـتـ.ـلال الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني وتشيد جدراناً نفسية و”ثقافية” مع القضية الفلسطينية والمحيط العربي والإسلامي.

حـ – تسخيف العمل المـ.ـقـ.ـاوم وإنجازاته، وإنكار أثره في العدو، وتضخيم “عواقبه” على البيئة الحاضنة، والمبالغة بشأن أي أخطاء أو تجاوزات أو اختراقات أمنية.

 

الحرب على المـ.ـقـ.ـاومة في الجبهة الداخلية اللبنانية

 

وعلى الرغم من أن المآل العام لهذا التوجه يصب في مجرى المشروع الأمريكي-الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني لاجتثاث المـ.ـقـ.ـاومة من لبنان، فإن وكلاءه اللبنانيين احتكروا ملكية “الهوية اللبنانية” وأخرجوا مناصري المـ.ـقـ.ـاومة منها، بينما كانوا يعملون على إلحاق لبنان بمشروع غير لبناني بالأساس.

 

وإذا كان خطاب مناهضي المـ.ـقـ.ـاومة سابقاً يذهب إلى أن المشروع العروبي “محاولة لابتلاع مسيحيي لبنان إسلامياً”، فإن خطابهم اليوم يتقمص وضعية “الدفاع عن العروبة” في مواجهة “المشروع الإيراني”، والمقصود طبعاً “عروبة” الأنظمة العربية المطبعة والمتخاذلة، لا عروبة المـ.ـقـ.ـاومة بصفتها مصلحة استراتيجية عليا للأمة العربية، قبل إيران.

 

وكما كان حضور المواطن اللبناني المسيحي الداعم للمـ.ـقـ.ـاومة، أو المنخرط في أحزاب وتيارات وطنية وقومية ويسارية، يقوض الخطاب الطائفي المتقوقع لبنانياً ويجعله خطاباً أجوف فاقداً للمصداقية والتماسك، كذلك فإن من مصلحة حـ.ـzب الله اليوم، برأيي المتواضع، أن يسوّر المـ.ـقـ.ـاومة اللبنانية ويحصنها بأكبر عدد ممكن من الأطر والشخصيات العابرة للطوائف والمذاهب، وبمدٍ موازٍ وطني وقومي ويساري، وبإبراز لبنانية المـ.ـقـ.ـاومة وعروبتها كقوة تحرير وردع ووزن مكافئ للعدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني، وبالتذكير دوماً بحرصها على عدم التورط في لعبة السلطة والمحاصصة في لبنان.

 

الداعي إلى هذا الكلام أن الجبهة الداخلية اللبنانية هي الجبهة الأخرى، السياسية، التي يحركها الغرب الجماعي والعدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني وأدواتهما خلف خطوط المـ.ـقـ.ـاومة في لبنان، وأنها جبهةٌ لا تقل خطورةً عن الجبهتين العسكرية والأمنية.

 

هناك في الوطن العربي من لا يأخذ ذلك بعين الاعتبار عندما يتساءل “لمَ لا يصعد حـ.ـzب الله أكثر مع العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني؟”، وهناك من يعرفه جيداً، لأنه مشاركٌ في الحملة على حـ.ـzب الله والمـ.ـقـ.ـاومة، لكنه بات يتهمهما اليوم بخوض “حرب استهداف أعمدة” شكلية على الحدود، فهي مدانةٌ عنده إن حاربت، أو لم تحارب، أو حاربت ضمن ضوابط كي لا تترك لمن هم مثله ذريعةً بأنها “جرت لبنان” إلى حربٍ كبرى لا تبقي ولا تذر.

 

حشود العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني على الجبهة الشمالية

 

لكن الكلمة تبقى للميدان، لا للمزايدين، وقد زعم الناطق بلسان جيش الاحـ.ـتـ.ـلال دانييل هاجاري، بحسب “تايمز أوف إسرائيل” في 3/2/2024، أن 3 فرق عسكرية جرى نشرها على الحدود الشمالية في مواجهة تصاعد هجمات حـ.ـzب الله، وترافق ذلك مع أنباء متواترة منذ بداية العام الجاري عن سحب قوات عسكرية من غزة وتوجيهها نحو الحدود الشمالية.

 

يعد عدد التشكيلات العسكرية وحجمها في أي جبهة من الجبهات في زمن الحرب من الأسرار العسكرية طبعاً. لذلك، ليس من الحكمة أن نصدق تصريحات جيش الاحـ.ـتـ.ـلال بأن ما بقي في غزة حالياً هو فرقة عسكرية واحدة، أو أن نستنتج أن ما نشر شمالي فلسطين هو 3 فرق عسكرية فحسب.

 

تشير المعلومات المتوافرة من عام 2023 أن الجبهة الشمالية، خلف ما يسمى “الخط الأزرق”، البالغ طوله نحو 120 كيلومتراً، تحتشد خلفها أربع فرق عسكرية “إسرائيلية” من القوات البرية فحسب، ما عدا القوات الجوية والبحرية والأمنية والشرطية، هي:

 

أ – الفرقة المؤللة رقم 36، وتضم 6 ألوية وكتيبة سلاح إشارة.

ب – الفرقة البرية رقم 91، وتضم 6 ألوية وكتيبة سلاح إشارة وكتيبة استطلاع وسرية مهندسين.

جـ – الفرقة المؤللة رقم 146، وتضم 7 ألوية وكتيبة سلاح إشارة.

د – الفرقة البرية رقم 210، وتضم 6 ألوية وكتيبة سلاح إشارة وكتيبة استطلاع وسرية مهندسين.

 

وبالإمكان وضع قائمة بأسماء وأرقام كل لواء في تلك الفرق.

 

نتحدث هنا عن نحو 62 ألفاً من جنود القوات البرية على الأقل، فضلاً عن قوات حرس الحدود، والذين يكثر العملاء “العرب” من كل الطوائف والمذاهب في صفوفهم، وفروع القوات الخاصة التابعة لحرس الحدود في الشمال، مثل وحدات “يمام” و”يماس” وغيرها، والقوات الجوية والبحرية، ومجموعات حراسة المستوطنات القريبة من الحدود اللبنانية، وفرق المتطوعين التي تضم في صفوفها كثيراً من المستوطنين القادمين من القارتين الأوروبية والأمريكية، والذين يخدمون على أساس غير نظامي.

 

يُذكر، بالمناسبة، أن 23380 أمريكياً يخدمون حالياً في القوات المسلحة للاحـ.ـتـ.ـلال الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني، قالت “واشنطن بوست”، في 22/2/2024، إن 23 منهم قتلوا منذ 7 تشرين الأول / أكتوبر حتى ذلك التاريخ.

 

ويُذكر أن مقر قيادة قوات الشمال يقع في صفد، وأنه استُهدف بمسيرة في 9/1 الفائت، ثم برشقة صواريخ في 14/2 (يوم “عيد الحب لفلسطين”).

 

كما يُذكر أن القيادة العسكرية “الإسرائيلية” أعلنت مؤخراً عن تأسيس لواءٍ جديدٍ للقتال الجبلي هو لواء “ههاريهم” الذي سيلحق بقيادة الفرقة رقم 210 المذكورة أعلاه، على أن يجري استبداله بأحد ألوية تلك الفرقة، اللواء “حيرمون 810″، بحسب “جيروزاليم بوست” في 21/3/2024، والذي ليس من الواضح إن كان سيجري نقل عناصره من القطاع الشمالي أم لا.

 

المـ.ـقـ.ـاومة اللبنانية على الجبهة العسكرية ضمن قواعد الاشتباك

 

كذلك، ليس من الواضح إن كان ما قصده هاجاري هو نشر 3 فرق إضافية في الشمال، إلى العدد الموجود حالياً، لطمأنة المستعمرين المستوطنين الذين نزحوا عنه إلى أماكن أخرى في فلسطين المحتلة، أم أن ما صرح به كان لذر الرماد في الأعين بشأن العدد الحقيقي لقوات الاحـ.ـتـ.ـلال المحتشدة في الشمال.

 

لكن، إن صح ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” في 21/11/2023، نقلاً عن مصادر أمنية في المستعمرات الشمالية، من أن الاحـ.ـتـ.ـلال حشد 100 ألفٍ من قواته على الحدود الشمالية، وأذا افترضنا أن ما قاله هاجاري لا يمثل تعزيزات إضافية، فإن ذلك يعني وضع ما يعادل 833 جندياً من القوات البرية خلف كل كيلومتر من “الخط الأزرق”، أي 5 جنود في كل 6 أمتار، أو جندي في كل 120 سنتيمتراً من الحدود مع لبنان والجولان.

 

فإذا أضفنا إلى ذلك كل تقنيات الاستطلاع والمراقبة الجوية والإلكترونية التي يستخف البعض باستهدافها، باعتبارها “حرب استهداف أعمدة” بحسب هؤلاء، وأسلحة الجو والمدفعية والصواريخ وغيرها… فإن ما ينتج عن ذلك هو سورٌ بشريٍ وإلكترونيٍ وجويٍ يجعل كل سنتيمتر من تلك الحدود أكثر حدود محروسة في العالم بمقاييس الجيوش النظامية.

 

كما أنه يجعل قدرة حـ.ـzب الله وسائر المـ.ـقـ.ـاومين اللبنانيين والفلسطينيين على تنفيذ إطلاق أكثر من 3500 صاروخ باتجاه الأراضي المحتلة منذ 7 تشرين الأول / أوكتوبر، نصرةً للمـ.ـقـ.ـاومة في غزة انطلاقاً من جنوب لبنان، و38 صاروخاً انطلاقاً من الأراضي السورية، بحسب هيئة البث “الإسرائيلية” في 20/3/2024، عملاً إعجازياً ما كان من الممكن أن يتحقق لولا النزعة الاسـ.ـتـ.ـشهادية في صفوف مقاتلي المـ.ـقـ.ـاومة.

 

من الطبيعي إذاً، ضمن معادلة من هذا النوع، أقرب لحروب المواقع الثابتة في الحرب العالمية الأولى، أن يرتقي أكثر من 230 شـ.ـهـ.ـيد من حـ.ـzب الله وحده منذ 8 تشرين الأول / أوكتوبر حتى 8 آذار / مارس، في حين أن قوات الحزب بنيت كتشكيلات حرب عصابات تعتمد على الكر والفر وسرعة الحركة والكمائن والتسلل والإغارات، أي أننا نواجه هنا نقطة قوة العدو، وهي التحصين الكثيف تقنياً وبشرياً، ونحاول أن نجد ثغرات فيها على خطوط ثابتة، وهو ما فرض على حـ.ـzب الله أن يرتقي بأدائه إلى مستوى الجيوش النظامية فعلياً، في مقابل أحد أقوى الجيوش النظامية في العالم، وهي تجربة جديدة له أبلى فيها بلاءً حسناً.

 

كلُ شـ.ـهـ.ـيد غالٍ طبعاً، لكن في حرب نظامية أو شبه نظامية من هذا النوع، مع عدوٍ متفوقٍ عدداً وعتاداً وتقنية، وغير متفوق معنوياً أو كفاءةً قتاليةً، فإن 230 شـ.ـهـ.ـيداً في 5 أشهر لا يعد رقماً عالياً، على عكس ما يهول به البعض، ولو اندفع العدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني باتجاه لبنان لتغير ميزان الخسائر بالضرورة، لإنه سيكشف نقاط ضعفٍ أكبر، وسيواجه نقاط قوة حـ.ـzب الله.

 

لا يهم كثيراً إن كان العدو يخفي خسائره الحقيقية هنا، وإن كان عدد قتلاه على الجبهة الشمالية 170 أو 270، لا 17 قتيلاً كما يزعم، وهو يكذب كثيراً كما تدل مؤشرات شتى، ما يهم، بالنسبة إلى المـ.ـقـ.ـاومة في غزة، أن المـ.ـقـ.ـاومة في لبنان تمكنت من:

 

أ – تعطيل الحياة سيرورة المدنية والاقتصادية بصورةٍ شبه كاملة شمالي فلسطين المحتلة.

ب – جذب 100 ألف أو أكثر من خيرة قوات العدو بعيداً عن غزة، مع ترك خطر توسع الجبهة الشمالية مفتوحاً.

ج – إجبار نحو 100 ألف من المستعمرين المستوطنين على النزوح من الشمال، بحسب “وول ستريت جورنال” في 12/3/2024.

 

الحرب المقبلة في لبنان إما داخلية أو خارجية

 

الأهم أن ما تختزنه الجبهة الشمالية من طاقات قتالية وعسكرية وصاروخية يظل أكبر بكثير مما تختزنه غزة، وإذا كان على حـ.ـzب الله أن يلعب أوراقه عسكرياً بطريقة لا تحمله مسؤولية تدحرج المواجهات إلى حرب كبرى في الداخل اللبناني حرصاً على وحدة الجبهة الداخلية، لا لأنه يخاف مثل تلك الحرب كما يوحي الإعلام المعادي، فإن العلامة الفارقة في المواجهات الأخيرة على الحدود اللبنانية تكمن في أن العدو اتخذ فيها موقفاً دفاعياً تريق ماء وجهه، وأنه أظهر تردداً كبيراً في اجتياح لبنان عسكرياً رداً على استهدافه من جنوبه، على الرغم من كل عنتريات غالانت وهاليفي، وأن ذلك بحد ذاته زاد من أزمة الثقة في قدرة القوات المسلحة للاحـ.ـتـ.ـلال على اجتثاث التهديدات الاستراتيجية للكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني، وهي الثقة التي تلقت طعنةً نجلاء في 7 تشرين الأول / أوكتوبر، مع العلم أنها أساس “العقد الاجتماعي” الذي بنيت “إسرائيل” عليه.

 

يمثل التردد الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني هنا اعترافاً بوصول ميزان القوى مع حـ.ـzب الله إلى مرحلة التوازن الاستراتيجي، ولا بد من التنبه هنا إلى الآتي:

 

أ – أن المواجهات مع حـ.ـzب الله في جنوب لبنان وتصاعدها لم تبدأ بعد عملية “طوفان الأقصى”، بل بدأت قبلها بسنة تقريباً، وتذكروا المسيرات والتفجير عند مفترق مجيدو والخيمتين وشمالي قرية الغجر إلخ…

ب – أن جنوب لبنان، على عكس اليمن أو العراق مثلاً، يقع بمحاذاة فلسطين المحتلة مباشرةً، وأن قدرة حـ.ـzب الله على تنفيذ اختراق أعمق من “طوفان الأقصى” تجعل أعين القيادة العسكرية الصـ.ـهـ.ـيـ.ـونية لا تنام.

ج – أن حـ.ـzب الله ربط أي تهدئة في جنوب لبنان بوقف إطلاق النار في غزة، واضعاً الملف فعلياً بأيدي قيادة المـ.ـقـ.ـاومة في غزة، ومهمشاً جهود هوكشتين والمبادرة الفرنسية، ومؤجلاً ترسيم الحدود البرية مع فلسطين المحتلة.

 

وإذا كان بقاء القوة العسكرية للمـ.ـقـ.ـاومة في غزة لا يتسق مع بقاء “إسرائيل”، فإن بقاء القوة العسكرية الأكبر لحـ.ـzب الله في لبنان لا يتسق مع بقائها بدرجة أكبر، ولهذا نجد أن أحد أهم مراكز الأبحاث الأمريكية، وهو “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” CSIS، وقد نشر ملفاً كبيراً في 21/3/2024 بعنوان “النزاع القادم مع حـ.ـzب الله” يحذر فيه من وجود إمكانية عالية لاندلاع حربٍ كبرى في لبنان تجعل حرب غزة تبدو كعملية “مسح غبار ثانوية”، ويدعو الإدارة الأمريكية لممارسة “الدبلوماسية القسرية” لإجبار حـ.ـzب الله سياسياً على الانسحاب خلف نهر الليطاني.

 

ويُذكر أن “معهد دراسات الأمن القومي” في الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني INSS نشر ملفاً كبيراً أيضاً في 7/3/2021 بعنوان “الحرب المقبلة في الشمال: سيناريوهات، خيارات استراتيجية، وتوصيات لإسرائيل”، لا تبتعد كثيراً عن الاستنتاجات ذاتها.

 

باختصار، الكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني يواجه استحقاقاً كبيراً على الجبهة الشمالية: إما أن يقضي على المـ.ـقـ.ـاومة في لبنان سياسياً، أو عسكرياً، أو بمزيجٍ من الاثنين، وهو لن يستطيع النوم بهدوء، وأن يؤدي دور قوة إقليمية “عظمى” بوجود قوة غير نظامية في لبنان تقزمه بهذه الصورة المهينة.

التصنيفات : كتابات