من يقف خلف اغتيال المعارض الروسي أليكسي نافالني؟

شهرين مضت
217

بغداد تايمز

أعلنت مصلحة إدارة السجون في روسيا الاتحادية يوم الجمعة الفائت وفاة المعارض الروسي “أليكسي نافالني” في السجن حيث يقضي عقوبة مدتها 19 عامًا بتهم متعلّقة بالاختلاس وغيره.

 

شكّلت وفاة نافالني مادة إعلامية وسياسية دسمة وخاصة في الغرب، حيث سارعت وسائل الإعلام الغربية في أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة إلى استنساخ خبر الوفاة وإرفاقه بعبارات متشابهة حول نافالني وتصويره كرمز معارض للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما سارع المسؤولون الغربيون إلى توجيه الاتهام والمسؤولية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالوقوف خلف وفاة نافالني وتصوير الحادثة على أنها عملية اغتيال وحشية يقف خلفها بوتين.

 

أليكسي نافالني هو شخصية قانونية وسياسية روسية، عُرف عنه معارضته الشديدة للرئيس بوتين وتهجمه عليه وعلى سياساته بما فيها قراره المتعلّق بإطلاق عملية عسكرية في أوكرانيا، ويوصف نافالني بأنه قومي وليبرالي ويتماهى في أفكاره وطروحاته مع الغرب.

 

وسبق أن تعرض نافالني لمحاولة تسمم ونقل على إثرها إلى ألمانيا لتلقي العلاج، واتهم السلطات الروسية بالوقوف خلف تلك الحادثة، وذلك قبل عودته إلى موسكو حيث جرى اعتقاله وإصدار الأحكام القضائية بحقه.

 

ومنذ ذلك الحين حرص الغرب على التحذير من لجوء السلطات الروسية لاغتيال نافالني، وسارع سياسيوه وعلى أعلى المستويات بمن فيهم الرئيس الأميركي جو بايدن إلى اتهام بوتين باغتيال نافالني.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل يمكن طرح فرضية اغتيال نافالني؟ من هو صاحب المصلحة في ذلك؟ وهل هي روسيا أم الغرب؟

 

إن مناقشة هذا الاحتمال تأتي في سياق التوقيت الذي توفي فيه نافالني، وفي سياق العديد من الظروف والاستحقاقات الداخلية والخارجية التي تشهدها روسيا والعالم، والتي تجعل قضية الاغتيال واردة وبقوة، وبالتالي فلا بد لنا من مناقشة تلك الظروف وبيان علاقتها بتلك الفرضية وفق الآتي:

 

1 – جاءت الحادثة قبل شهر من استحقاق الانتخابات الرئاسية الروسية، والتي بات من المؤكدبأن الرئيس الحالي فلاديمير بوتين سيحسمها لصالحه، وهو ما يغيظ ويؤرق الغرب الجماعي الذي أعلن صراحة وعلى لسان كبار قادته بأنه لن يعترف بنتائجها سلفًا، وبالتالي فإنه من غير المستبعد أن تكون عملية اغتيال تمت بتخطيط غربي بهدف الإساءة للرئيس بوتين وخلق توترات وبلبلة داخلية قبيل تلك الانتخابات. ولا شك بأنه لا مصلحة للسلطات الروسية بهذا الاغتيال الذي يمكن أن يحدث اضطرابًا قبل الانتخابات المحسومة أصلًا لصالح بوتين، مع العلم بأن نافالني غير مرشح لتلك الانتخابات.

 

2 – جاءت الحادثة بعد أسبوع من المقابلة الصحفية التي أجراها الصحفي الأميركي الشهير “تاكر كارلسون” والتي استفزت الغرب بشكل هيستيري، ولجأت السلطات في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة لمنع بث تلك المقابلة على وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية، وهو ما اضطرّ الصحفي كارلسون لبثها عبر مواقع التواصل الاجتماعي حيث حصلت على ما يزيد عن مليار مشاهدة على مستوى العالم.

الرئيس بوتين استغل تلك المقابلة لتوضيح وشرح سياساته وسياسات بلاده الخارجية وخاصة ما يتعلق منها بالحرب الأوكرانية، وهو ما شكل فضيحة للقيادات الغربية التي عجزت بالرغم من الحصار المعلوماتي والإعلامي الذي تمارسه على شعوبها، عن منع بوتين من إيصال الحقائق وتعرية المواقف الغربية وتوضيح مواقف بلاده.

إن الصدمة التي أحدثتها مقابلة كارلسون وربما شكلت سببًا كافيًا لدى الغرب الجماعي للتفكير باللجوء إلى اغتيال نافالني بهدف إحداث صدمة في الرأي العام الغربي وإعادة صياغة الوعي العام على قاعدة اتهام بوتين بالوحشية والديكتاتورية بعد الاختراق الذي حققته تلك المقابلة لهذا الرأي العام.

 

3 – جاءت الحادثة في ظلّ الانقلاب الحاصل في الرأي العام الأوروبي تحديدًا من الحرب الأوكرانية، واتساع دائرة التظاهرات والدعوات إلى اعتماد الخيار السلمي، وخاصة في ظلّ التململ من تأثيرات تلك الحرب على أوروبا اقتصاديًّا وأمنيًّا، وبالتالي فإن اغتيال نافالني يصب في إعادة صياغة الرأي العام الأوروبي وإعادة توحيده في وجه روسيا والرئيس بوتين، خاصة أن قضية نافالني سبق وأن جرى الاستثمار بها في السنوات السابقة من خلال الأوروبيين نفسهم وتحديدًا ألمانيا.

 

4 – جاءت الحادثة في ظلّ عجز إدارة بايدن عن تمرير قانون في الكونغرس لتخصيص الأموال والمساعدات لأوكرانيا والبالغة 60 مليار دولار بسبب عرقلة الجمهوريين لهذا القرار وميل قادتهم وعلى رأسهم الرئيس السابق ومرشح الانتخابات الرئاسية الأوفر حظًّا دونالد ترامب إلى اعتماد سياسات الحوار والحل السياسي مع روسيا، وبالتالي فإن اغتيال نافالني يشكّل ورقة ضغط لدى إدارة بايدن لتشويه سمعة بوتين وروسيا بوجه الجمهوريين.

 

5 – جاءت الحادثة في ظلّ استمرار الصراع في الشرق الأوسط واستمرار العدوان على غزّة برغبة ورعاية أميركية، وهو ما انعكس اتساعًا في تراجع سمعة واشنطن على المستوى الدولي واتهامها بالمسؤولية المباشرة عن استمرار الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين، وفي الوقت الذي تستمر فيه موسكو بفضح سياسات واشنطن بما يخص غزّة وتحميلها المسؤولية عن نشوء الصراع واستمراره، وكذلك اقتناص موسكو لفرصة ممارسة الدور السياسي للحل سواء عبر دعوتها للفصائل الفلسطينية للاجتماع بهدف إنهاء الانقسام الفلسطيني أو عبر اختيارها من قبل حماس والفصائل الفلسطينية كدولة ضامنة لأي اتفاق يمكن أن يتم التوصل إليه لوقف العدوان. وهذا كله بلا شك يغيظ واشنطن والغرب الجماعي الذين يحاولون الاستئثار بفرض حلول شرق أوسطية تحقق مصالحهم ومصالح “تل أبيب”، وبالتالي فإن اغتيال نافالني واتهام موسكو بذلك يشكّل مادة إعلامية وسياسية لضرب سمعة موسكو وحرف الأنظار عن السمعة السيئة لواشنطن و”تل أبيب” وسياساتهما الإجرامية في الشرق الأوسط.

 

بالمحصلة، فإنه يمكن الاستنتاج أن وفاة المعارض السجين “أليكسي نافالني” ليست حادثة بريئة، بل هي عملية اغتيال دقيقة ومحسوبة في توقيتها، وأنها جاءت في وقت يشهد نفوذ موسكو السياسي والجيوسياسي اتساعًا واضحًا في مقابل تراجع النفوذ والهيمنة والسمعة الغربية. وعليه فإنه يمكن الجزم بأن اغتيال نافالني جاء بقرار وتخطيط أميركي غربي بهدف النيل من موسكو وسمعتها وللتعويض عن الترهل والتراجع الأميركي على المستويات السياسية والإعلامية وعلى مستوى الرأي العام

التصنيفات : كتابات