مدير عام الوكالة ورئيس التحرير
علي محسن الفرهود

شعب يتصبّب عرقاً من شماله لجنوبه

  • 699 مشاهدة
  • يوليو 02, 2024

بغداد تايمز

الكاتب الصحافي العراقي: مصطفى فاضل

«الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام، حتى الظلام هناك أجمل، فهو يحتضن العراق». عندما كتب الشاعر الكبير بدر شاكر السياب هذا البيت في قصيدته الشهيرة «غريب على الخليج» في مطلع خمسينيات القرن الماضي، كان يحن إلى وطنه، واصفاً شمس بلاده بأنها الأجمل، هل كان يتصور حينها أن صيف العراق سيصبح كما هو عليه اليوم؟ تخيلوا لو كان السياب يعيش بيننا الآن، في أحد ظهاري آب اللهاب، يرتشف الشاي، ويدخن سيجارته، جبينه يتصبب عرقاً يجففه بصعوبة هواء المروحة السقفية الساخن. هل كان سيكتب ذلك البيت متغزلاً بشمس بلاده، أم كان سيخط قصيدة لاذعة تعبر عن فساد وزارة الكهرباء بأسلوبه المرمز المميز؟

من المؤسف أن نعيش في دولة كانت مهد الحضارات تغرق اليوم في مستنقع التخلف والجمود. كيف يمكن لعراق الشموخ الذي يحمل عبء 7000 عام من التاريخ المجيد والحضارة العريقة، أن يكون حاضره وربما مستقبله -إن بقي الوضع على ما هو عليه اليوم- مرتهن بهذا البؤس والسوء؟

درسنا في علم الأحياء أن قانون الطبيعة يختار الأفضل والأقدر على التكيف مع ظروف بيئته ليمرر سلالته من خلال «الانتخاب الطبيعي». فلماذا إذاً نجد أن العراق يُحكم بأسوأ الناس في مجالات الحكم والتخطيط؟ كيف تستمر هذه الحالة في بلد يزخر بشعب فتي وأصيل ينبض بالطموح؟ ألم نتعلم من الطبيعة شيئاً؟ الإجابة على هذا السؤال مؤلمة، ولكن الحقيقة تُخبرنا أن هناك من باع صوته «ببطانية» أو «كارت شحن رصيد موبايل» أو «دجاجة مشوية» لأرذل الناس وأقلهم علماً ووعياً، وآخر عزة نفسه منعته من ذلك لكنه بالمقابل التزم بيته في يوم الاقتراع وفسح المجال لأصحاب «البطاطين» أو المنتفعين من أحزاب السلطة أن يقرروا مصير شعب بلاد ما بين النهرين.

النتيجة كما نراها اليوم، حيث يعيش أغلب العراقيين يومهم بقدرة قادر. فلا العامل ولا الموظف اللذان يشكلان النسبة العظمى من سكان هذا البلد، يمارسان حياتهما بشكل طبيعي. فمنذ ساعات الصباح الأولى، وهم يتوجهون إلى أعمالهم ووظائفهم، يعانون الويلات بفعل درجات الحرارة الحارقة، واقفين لساعات طوال في التقاطعات والشوارع العامة. يكافحون على جبهتين قاسيتين: جبهة الازدحامات المرورية الخانقة، ودرجات الحرارة التي تجاوزت حاجز نصف درجة الغليان في بعض المدن العراقية خلال الأيام الماضية. يعودون إلى منازلهم وكأنهم يدخلون فرناً حجرياً، جدرانه لا تمل أو تكل من تسخين هواء المنزل لتحوله من مكان راحة مفترضة إلى شيء يخرج الإنسان السوي من كل ما يجعله إنساناً سوياً.

وفي كل عام، وقبل أن يحل علينا فصل الصيف بأشهر قليلة، يخرج المتحدث باسم وزارة الكهرباء، ليبشرنا بأن هذا الصيف سيكون مختلفاً عن بقية السنوات، وأن تحسناً في الكهرباء سيلحظه الجميع. ولكن، عند دخولنا موسم الصيف، وفي أول اختبار حقيقي أو أول موجة حر شديدة، تنهار المنظومة، وينكشف زيف الوعود الكاذبة. وهذا ما حدث في هذا العام.

حتى أصبح بإمكاننا أن نتوقع حديث المتحدث باسم وزارة الكهرباء بالحرف الواحد قبيل كل صيف، ونتوقع أيضاً ما سيقوله أثناء الانهيار أو بعده؛ حيث تتكرر الأعذار نفسها في كل مرة. فالغاز الإيراني، وضعف البنى التحتية ومنظومات التوليد والنقل والتوزيع، وفساد المسؤولين السابقين، كلها أسباب أو شماعات يُعلق عليها المسؤولون الحاليون -وكأنهم ملائكة منزلين- أسباب فشلهم الحقيقي، والمئة مليار دولار الشهيرة التي صرفت على تحسين واقع الكهرباء منذ عام 2003 وإلى يومنا هذا خير دليل للقاصي والداني. لا أقول إن مشكلة الكهرباء حتى مع توافر الإرادة الحديدية، والتخصيص المالي المناسب، والأهم من ذلك كله وجود التخطيط الحقيقي والواقعي ستحل بضغطة زر! إنما تحتاج إلى عدة سنين من العمل المتواصل بشرطه وشروطه. ولكن، ما يصيبنا بالبؤس هو أن أي شيء من هذا غير متحقق.

إن العراق، الذي كان يوماً منارة للحضارة والتقدم، يعاني اليوم من تدهور على كافة الأصعدة. وبينما يستمر المواطنون في معاناتهم اليومية، تبقى الوعود الكاذبة والأعذار المتكررة هي السمة السائدة. فهل من أمل في الأفق؟ أم أن هذا الواقع الأليم سيظل حبيساً في دائرة مغلقة من الفشل المتكرر، والوعود الكاذبة؟

 

 

أخبار مشابهة

كيف ننهض بأمتنا؟

د. محمد المعموري لا نحتاج الى نظريات اقتصادية او سياسية معقدة لكي نتمكن من النهوض بالامة العربية...

الوزير السياسي أم الوزير التكنوقراط من يملك القرار

بغداد تايمز في التجربة الحكومية العراقية يبرز فارق واضح بين الوزير السياسي والوزير الذي يقدم...