بغداد تايمز
في حدود الساعة (2:45) من فجر يومِ الأحد، 26 شعبان 1384هـ، الموافق الثاني عشر من يناير من عام 1964م، شقَّ سماء جزيرة القرنفل الهادئة، دوِيُّ الرّصاص .. اعتقد الناسُ للوهلةِ الأولى، أن عُمّالَ البلدية قائمون على قتلِ الكلاب الضّالة.. استمرت طلقات الرصاص، بل وقصُرت الفجوة الزمنية بين طلقةٍ وأُخرى.. بدأت الشكوك تلُفُّ الوجدان، وتتّجه نحو تصوّرٍ بحدوثِ اضطرابٍ من نوعٍ ما.. تأكَّدت الشكوك بسماع أصوات الرّجال تتعالى بما يفيد التعبئة العامة
خيَّم على الجميع جوٌ من الخوفِ والفزع والوجوم، بعد أن استعادوا إلى ذاكرتهم أحداث العُنف العُنصري، التي وقعت في يونيو من عام 1961م، وراح ضحيتها ستة وثمانون شخصًا، وجَرح وإعاقة المئات، أغلبهم من العُمَانيين والحضارمة والشيرازيين
الجو العام كان مشحونًا بكثيرٍ من التوتر والعصبيةِ والاستنفار. شُوهِد بعضًا من العرب يركُضون وهم يحملون البنادق في أيديهم، مُيَمِمينَ وجهتهم شطر مركز شرطة ماليندي؛ بينما حَرصَ البعض الآخر على إغلاق الأبواب على أهل بيتهِ بإحكامٍ والبقاء معهم في الدّاخل لحمايتهم من أعمالِ شغب مُرتقبة، والتي مثَّلت أقصى ما كان يخطر في حُسبانهم. حقًا، لم يكن بمقدورِ الغالبيةِ العُظمى من الآمنين المطمئنين الاستيعاب أن الدولةَ كانت في صددِ الانهيار التام لنظامها؛ وبالتبعية، انهيار جذريٍّ لمستقبلهم المعيشي
عاش المجتمعُ الدولي، حالةً من الذهولِ والاستغراب عند سماعهم بخبرِ الإطاحة بالحكومة الشرعية، التي استقلّت حديثًا عن سلطة الحماية البريطانية، التي دامت لثلاثةٍ وسبعين عامًا
عبارات القائد المزعوم، لما أطلق عليه «ثورة»، جون أكيلُّو (الأوغندي) المعلنة لسقوط النظام السّلطاني، تلقاها عرب زنجبار، وكذا الأقلِّيات العرقية الأخرى كالسهامِ في صدورهم، لما أوحى لهم ذلك من جُل معاني الدمار والهلاك
«أنا المشير أوكيلو! استيقظ .. أنت أيها الإمبريالي، لم تعد هناك حكومة إمبريالية على هذه الجزيرة، هذه الآن حكومة المقاتلين الأحرار»
«استيقظ أيّها الرجل الأسود. فليأخذ كلٌّ منكم سلاحًا وذخيرة ويقاتل فلول الإمبريالية على هذه الجزيرة. لا تتراجعوا عن قراركم أبدًا، إذا ما أردتم أن تكون هذه الجزيرة لكم». المرجع: كتاب أوكيلو (ثورة في زنجبار)
وبتاريخ 14 يناير 1964م، أصدر أوكيلو البيان التالي: «الدولة أصبحت الآن تدار بمعرفتنا نحن الجيش. ويتوجب على كل مواطن، أيًا كان عِرقهُ أو بشرته: أسود، أو بني، أو أبيض، أن يحترم النظام. سأتخذ تدابير مُشددة بمقدار (88) مرة عما كانت عليه من ذي قبل، لمواجهة كل من لا يلتزم بالنظام. الحكومة التي أقصيناها أمس الأوّل، كانت حكومة المنافقين والنّهابين والخُبثاء الذين لا يحترمون الإنسانية. نحن أناسٌ نحمي ونحترم البشر والحيوانات وسائر المخلوقات»
بهذا البيان، أُسدِلَ الستار عن لؤلؤةِ الممالك، دون أن يهتزُ جَفنُ أيٍّ من دول العالم ولا المنظمات الدولية لنجدتها.. وبالبيان ذاته، غربت شمس أندلس إفريقيا الشرقية، ذاتَ الأصلِ العُمَاني، بغزوٍ دموي، قاده ظاهريًا جون أُكيلّو، وجنى ثماره رئيس المعارضة، عبيد أماني كارومي؛ وراح ضحيته ما يقدر بسبعة عشر ألف نفسٍ، أغلبهم من المسلمين العرب، العُمَانيين والحضارمة، ظلمًا وعدوانًا، دون أن تُسمعَ أصواتٌ للشّجبِ والاستنكار
وفي محاولةٍ منا للمسِ أطراف قضية سقوط زنجبار المأساوية، ومن المسئول عنها، كان لابد من الجلوس والتحقيق مع من عايشَ تلك الأحداث من مواقعِهم السياسية
ثورة أم انقلاب؟
وقبل الخوض في هذا الجانب، فمن الأهمية بمكان أن نُعرّج أولاً على تحديد أنسب المصطلحات وأكثرها دقةً للتعبير عن ذلك الحراك العنيف الذي أدى إلى إسقاط النظام. البعض يتّجه إلى تسويغ ما حدث فيطلق عليه «ثورة»؛ لإضفاء المدلول الشّعبي. وكأنهم بذلك يقولون إن تلك كانت هي «الإرادة الشعبية». ولما كان الثابت يشير إلى أن تدخلاً أجنبيًا هو الذي أطاح بالنظام، ولم يفعل ذلك شعب زنجبار البتة؛ ولا قوة مسلحة وطنية؛ فإن هذا كافٍ لاستبعاد مصطلحي الثورة وكذا الانقلاب؛ وتأكيد مصطلح «الغزو» والعدوان الخارجي؛ وذلك من باب تسمية الأحداث بمسمّياتها الفعلية
سليمان الخروصي يجترُّ الذّكريات
بالجلوس مع نائب مفوض الشرطة، سليمان بن سعيد الخروصي (1919 ـ 2005م)، وجدنا ذاكرته تفيضُ بكثيرٍ من تفصيلات الحدث المشؤوم، فبعباراتِه الدقيقةِ القاطعة، وبعرضِه المتميّز والمتجرّد؛ نقَلَنا وإيّاه إلى قلب الحدث وأجوائه فقال بدايةً، وبعد تنهيدةٍ طويلة: «قدَّرَ اللهُ وما شاء فعل»، إن ما أصابنا حتمًا ما كان ليخطئنا، وما أخطأنا ما كان ليصيبنا، ولا شك أن الله عزَّ وجَل أراد لنا من وراء ذلك الابتلاء الذي أعقبه التشتت، الخير الوفير، الظاهر علينا بجلاء في وطننا الأم عُمَان .. فلقد صبرنا على ما أصابنا، فعوَّضَنا الله خيرا. بهذه الروحِ الآمنة بقضاء الله وقدره، استهلَّ الخروصي حديثهُ، مُشيرًا إلى أن قوةَ الغوغائين المرتزقة ما كانت لتؤدي إلى الإطاحة بالحكومةِ الشرعية، لولا الخيانة التي مارسها بعضُ المسؤولين الإنجليز في الدولة
وتوضيحًا لذلك، يُشيرُ الخروصي إلى أنه راجَت قبل إسقاط النظام، ببضعةِ أيامٍ معلوماتٌ وهمساتٌ قوية عن احتماليةِ قيام حزب المعارضة، الأفروشيرازي، ببعض أعمال شغب في مدينة زنجبار. وعلى مستوى جهاز الشرطة، فإن تلك المعلومات بلغت المسؤولين قبل ذلك، وتحديدًا في الأيام التي سبقت الاستقلال. مؤكدًا أنهم وضعوا نُصب أعينهم احتمالية بلوغ تلك الأعمال مستوى محاولة قلب نظام الحُكم. وعليه، فإن الخروصي يُحمل مُفوّض الشرطة، جاك سوليفان (أيّ المفتش العام، بمفهومنا الحالي)، إلى جانب أسبابٍ أُخرى، مسئولية سقوط زنجبار، وفق التوضيح التالي
من جملة الحقائق التي تجلّت، في فتراتٍ لاحقة، تؤكد أن مُخطّط الإطاحة بالحكومة الشرعية كان من المقرّر تنفيذه يوم احتفالات البلاد بالاستقلال، إلا أن أُكيلّو، آثرَ عدم تكدير جو الاحتفال ـ حسبما يدَّعي في كتابه ـ سيّما بالنسبةِ للضيوف الرسميين القادمين من الدول الصديقة والحليفة. والظاهر يُشير إلى أن أُكيلّو، خشِيَ من احتمالية تدخل بريطانيا فيما لو حاول تنفيذ المخطَّط في ذلك اليوم؛ إذ كان على رأس الحضور، الأمير فليب، دوق أدنبرا. كما حضر الاحتفال كذلك شخصياتٌ من سبعين دولة، من ضمنها رئيس مجلس الشّعب المصري، آنذاك، محمد أنور السَّادات. صحيفة الأهرام المصرية، بتاريخ 10 ديسمبر 1963م
خيانة مُفوِّض الشُرطة
قبل الأحداث بيومين اثنين، أصدر مفوض الشرطة، جاك سُليفان توجيهاته إلى كلٍّ من سليمان بن سعيد الخروصي بصفته الرجل الثاني في الشرطة، بالذهاب إلى منطقة تُسمى: أُرُوة Urowa، التي تبعد عن مدينة زنجبار مسافة (24) ميلاً، على الساحل الشرقي؛ وإلى محمد سالم السكيتي بصفتهِ الرجل الثالث في الشرطة، بالذهاب إلى منطقة تُسمى ماكوندوشي على بعد (41) ميلاً من المدينة، باتجاه الجنوب الغربي؛ وذلك، بحجّة جسّ نبض الشارع في تلكما المنطقتين، المعروفتين بشدّة تأييدهما لحزب المعارضة. أخذ الرجلان أسرتيهما، كل على حدة، لإنجاز المهمةِ الحيوية الموكلة إليهما؛ وفي الوقت نفسه، وجداها فرصةً سانحة لقضاء وقتٍ ممتع، سيّما وأن المأمورية تزامنت وعطلة نهاية الأسبوع، السابقة لحلول شهر رمضان المبارك
الجو العام في اليوم الأخير
إن الجو العام في اليوم الأخير، كان مُلبّدًا بكثيرٍ من الغموض والغليان. فالجمهور الذي كان قد سمع همسًا يدورُ في الأوساط، حول احتمالية قيام حزب المعارضة بأعمال شغب، شاهد في ذلك اليوم فصائل من الشّرطةِ المتحرّكة تقوم بعمليةٍ لاستعراضِ القوة. تمثّلت العملية، في تسيير فصائل الشرطة المتحرّكة، بملابسهم العسكريّة المميّزة، يجوبون شوارع المدينة هرولةً، في صفوفٍ منتظمة؛ تحتضن أيديهم البنادق أمام صدورهم، في زاويةٍ مائلة ـ كما تقضي أصولُ الهرولةِ بالسّلاح ـ بينما كانت خطوات أقدامهم المنتظمة، الضّاربة للأرض، ضربة رجُلٍ واحد، تُسمع من مسافاتٍ بعيدة. بدأت هذه العملية في تمام الثانية عشرة ظهرًا، واستمرت إلى الخامسة عصرًا، حيث أعلن مُفوّض الشرطة عندئذٍ انقشاع المخاوف الأمنية، وأن الوضع الأمني أصبح في حالة استتباب؛ وأمر بإعادة القوة إلى قيادتها. رغم أن عملية استعراض القوة هذه لم تستمر طويلاً، إلاّ أنها نجحت، إلى حدٍّ بعيد، في بثّ الطمأنينة في نفوسِ العامة؛ كما كانت سببًا في انقشاع سحابة التوتّر لدى بعض الجهات المسئولة
الدولةُ في وضعٍ لا دِفاعي
في صبيحةِ يوم الأحد، الموافق 12 يناير 1964م، وفور الانتهاء من صلاة الفجر تفاجأ الخروصي بشيخ المنطقة التي بُعِث إليها، يطرق باب بيته، ويبلغه باندلاع أعمال شغبٍ في مدينة زنجبار، وأن الوضع هناك أصبح في غايةِ الاضطراب
هَمَّ الخروصي من فوره بالخروج من المنزل ومعه أسرته، مُيَمِّمًا وجهته إلى مدينةِ زنجبار لمواجهةِ الموقف. وعندما بلغ قرية مويرا، التي تبعُد حوالي ستة أميال (عشرة كيلومترات) عن قلب المدينة، آثر الوقوف عند مركز الشرطة لغايات الاطمئنان على الوضع الأمني في المدينة، بعد أن كان قد سمعَ لتوهِ في الإذاعة خبر الإطاحة بالحكومة
يُذكر أنه، من ضمن النداءات التي كثيرًا ما رددها في الإذاعة القائد المزعوم للحركة: نداء إلى الحكومة بالاستسلام؛ وآخر إلى السلطان بالمبادرة بشنق نفسهِ بنفسه
يقول أنتوني كلايتون في كتابه (ثورة زنجبار، وآثارها الكارثية)..
الكاتب
ناصر بن عبدالله الريامي