مدير عام الوكالة ورئيس التحرير
علي محسن الفرهود

مقال: قد نرى يوما نينوى المحافظة الأهم بزراعة النخيل ! فهل يعيد المناخ تشكيل زراعة العراق؟

  • 248 مشاهدة
  • فبراير 14, 2025

بغداد تايمز

قد نرى يوما نينوى المحافظة الأهم بزراعة النخيل ! فهل يعيد المناخ تشكيل زراعة العراق؟

د. منال شنين علي العبادي

لم يعد المشهد الزراعي في العراق كما كان عليه قبل عقود، فقد أصبحت الطبيعة نفسها تعيد رسم حدود الزراعة في البلاد. التغيرات المناخية، التي باتت واقعاً لا يمكن تجاهله، تفرض نفسها بقوة وتدفع المحاصيل التي طالما ازدهرت في الجنوب العراقي إلى النزوح التدريجي نحو الشمال وقد يستوطن بدلا لها نباتات جديدة اقرب للصحراء وتقبل الملوحة او تضل جرداء متصحرة هذازالخيار قد يكون للجانب البشري تأثيراً فيه ايجاباً او سلباً .
مع ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد فترات الجفاف، وملوحة التربة المتفاقمة باتت الأراضي الجنوبية بيئة غير رحيمة للنخيل، الذي اشتهرت به البصرة لعقود طويلة.

واذا ما اخذنا النخيل رمز العطاء والصمود مثلاً ، كانت البصرة، بمناخها الحار وأراضيها الغنية بالمياه تمثل قلب إنتاج التمور العراقية اذ النخلة تقف شامخة في وجه الظروف الطبيعية القاسية، لكن الظروف تغيرت بشكل دراماتيكي بعد ان توغلت المياه المالحة من الخليج العربي إلى نهر شط العرب، مما أدى إلى تدمير التربة الزراعية وحرمان النخيل من العناصر الضرورية للنمو. في الوقت نفسه، ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات جعلت الصيف البصري فكانت بمثابة كابوس زراعي متكرر اضافة للحروب والاهمال البشري في الادارة الحديثة التي تتناسب مع المتغيرات المناخية هذه العوامل مجتمعة أدت إلى انخفاض حاد في إنتاج التمور بل واختفاء بعض بساتين النخيل التي كانت مزدهرة يوماً .

مع تراجع زراعة النخيل في البصرة، بدأت الأنظار تتجه نحو محافظات الوسط، مثل بابل وكربلاء. هذه المناطق التي كانت تُعد يوماً بيئات ثانوية مقارنة بجنوب العراق، تحولت تدريجياً إلى مراكز جديدة لإنتاج التمور فدرجات الحرارة المعتدلة نسبياً والتربة التي لا تزال أقل ملوحة جعلت من هذه المحافظات بيئة مناسبة لاحتضان النخيل الذي هاجر من الجنوب بحثاً عن موطن جديد بشكلٍ تدريجي غير محسوس اذا ما استثنينا السنوات الأخيرة التي شهدت فيها المناطق الوسطى ارتفاعاً ملحوظاً في إنتاجية النخيل مما عزز مكانتها في الخارطة الزراعية للعراق.

لكن التغيرات المناخية لم تتوقف هنا، فمع استمرار ارتفاع درجات الحرارة المتوقع خلال العقود القادمة، والذي قد يصل إلى 3 درجات مئوية إضافية بحلول منتصف القرن الحالي، من المحتمل أن تتحرك الأنطقة الزراعية أكثر نحو الشمال. هنا تبرز نينوى كمرشحة محتملة لاحتضان المحاصيل التي طالما كانت حكراً على مناطق الجنوب والوسط.
نينوى، المعروفة بأراضيها الخصبة وتاريخها الزراعي العريق قد تصبح قريباً وجهة جديدة لزراعة النخيل ومحاصيل أخرى.

التغير المناخي لا يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة فقط، التغيرات في أنماط هطول الأمطار أصبحت سمة بارزة للعصر الجديد الأمطار إما تقل بشكل كبير أو تسقط بكميات غزيرة في أوقات غير متوقعة مما يتسبب في إغراق المحاصيل أو تأخير زراعتها. العواصف الترابية أصبحت أكثر تكراراً، مما يزيد من صعوبة الزراعة التقليدية ويهدد الأمن الغذائي للعراق.

لكن في كل تحدٍ تكمن فرصة جديدة. الزراعة العراقية أمامها اليوم فرصة ذهبية لتبني أساليب حديثة تتناسب مع هذا الواقع الجديد. استخدام تقنيات الزراعة الذكية، مثل أنظمة الاستشعار المناخي وتحديد أوقات ومواقع الزراعة المثلى، يمكن أن يساعد المزارعين في تحسين الإنتاجية وتقليل الخسائر. تحسين إدارة الموارد المائية من خلال أنظمة ري متطورة قد يقلل من الهدر المائي، ويضمن حصول كل نبتة على ما تحتاجه من الماء في الوقت المناسب.

تطوير سلالات نباتية تتحمل الحرارة العالية وملوحة التربة سيصبح أيضاً ضرورة ملحة، خاصة مع استمرار تغير المناخ. مراكز الأبحاث الزراعية يجب أن تكون في طليعة هذه الجهود، حيث يمكنها تقديم حلول مبتكرة ودراسات دقيقة تساعد في التخطيط الزراعي المستقبلي.

في حال تغيير الطرق التقليدية في الزراعة والتي تعتمد غالباً على المزارع العراقي ابتداءاً من مواعيد الزراعة والاصرار على زراعة المحاصيل المعتادة وطرق الري القديمة مع هذه التغيرات البيئة ستواجه الزراعة في العراق مصاعب كثيرة وتأثيرات سلبية ترتد على الامن الغذائي والمائي فضلاً عن تعزيز الاحتباس الحراري و التصحر . اما إذا استثمر العراق في الوسائل العلمية و الحديثة في الانتاج اخذاً بنظر الاعتبار المتغيرات البيئة والجدوى الاقتصادية للسوق العالمية دون الاعتماد على دعم الدولة من الريع النفطي وفق استراتيجيات مخططة، فقد يتحول من دولة تواجه تحديات بيئية كبرى إلى نموذج عالمي في التكيف الزراعي مع تغير المناخ. التغيرات المناخية ليست مجرد تهديدات، بل هي أيضاً فرصة لإعادة التفكير في أنماط الزراعة التقليدية واستثمار التكنولوجيا الحديثة لتأمين مستقبل زراعي أكثر استدامة.

وهنا ابرزنا في هذا المقال عنون نينوى للتنبيه وقد تكون واقعاً غير متخيل الان لكن مع استمرار نزوح المحاصيل نحو الشمال، قد نرى مناطق أخرى تتألق زراعياً بمحاصيل لم تألفها في المستقبل، ما يعيد رسم الخارطة الزراعية للعراق بطرق لم تكن متوقعة. لكن لتحقيق هذا التحول، يحتاج

العراق بحاجة حقيقية إلى رؤية شاملة واستثمار جاد في البحث العلمي والتقنيات الحديثة، ليبقى النخيل وبقية المحاصيل رمز للعطاء والصمود في وجه كل ما يحمله المستقبل.

أخبار مشابهة

كيف ننهض بأمتنا؟

د. محمد المعموري لا نحتاج الى نظريات اقتصادية او سياسية معقدة لكي نتمكن من النهوض بالامة العربية...

الوزير السياسي أم الوزير التكنوقراط من يملك القرار

بغداد تايمز في التجربة الحكومية العراقية يبرز فارق واضح بين الوزير السياسي والوزير الذي يقدم...