بغداد تايمز
الكاتبة :: د. نيفين مسعد
تناول مقال الأسبوع الماضى طبيعة الظروف الدولية وتشابكاتها الإقليمية المحيطة ببيئة انتخابات المحافظات العراقية فى شهر ديسمبر المقبل. وانتهى المقال إلى أن هذه البيئة تتميّز بأنها بيئة قلقة بالنظر إلى سيولة المرحلة التى يمر بها النظام الدولى، واتخاذ القوى الكبرى المتنافسة على المكانة والنفوذ من الشرق الأوسط ساحة للتنافس والصراع، مع الإشارة إلى أن هناك حاجة لمتابعة تطور الأوضاع بشكل خاص فى سوريا ولبنان.ومعلوم أن الدولتين ترتبطان بالعراق بوشائج مختلفة، منها ماهو جغرافى، ومنها ماهو ديموجرافي. ولنا أن نتخيّل ما يمكن أن يحدث داخل العراق فى حال انفلات الوضع الأمنى فى سوريا التى تضّم أكبر سجن للدواعش وأكبر مخيّم لعائلاتهم. أو ماذا يمكن أن يكون عليه موقف العراق إذا ما وقع هجوم إسرائيلى على لبنان مع ماهو معلوم عن الموقف الرسمى والشعبى العراقى الصارم تجاه إسرائيل. أما مقال هذا الأسبوع فإنه يتعرَض لنقطة محددّة هى كيف تساعد هذه الأجواء القلقة على توفير بيئة مناسبة لانتعاش الشائعات بهدف التأثير على الخريطة الانتخابية العراقية وحظوظ القوى المختلفة من مقاعد المحافظات.وفى هذا السياق يلحظ المتابع لتطوّر الأوضاع السياسية العراقية خلال الفترة الأخيرة-تزايدًا كبيرًا فى معدّل الشائعات المغرضة، وعندما نتأمل أهم تلك الشائعات نجد أنها تستهدف بالأساس التأثير على صورة رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني. فعلى الرغم من أن تيار الفراتين الذى يتزعمّه السودانى قد أصدر بيانًا يؤكد فيه أنه لا يعتزم المشاركة فى انتخابات المحافظات، وبرّر ذلك بأنه للنأى بنفسه عن التنافس الانتخابى، وحرصًا من جانبه على التفرَغ لإنجاح العملية الانتخابية، إلا أن الذين يستهدفون السودانى إنما ينظرون بالأساس إلى القوى السياسية التى تدعمه وتقف من ورائه وهى قوى الإطار التنسيقى، وبالتالى فإن تشويه صورة السودانى يتضمّن فى ثناياه النيّل من شعبية تلك القوى بشكل غير مباشر، وذلك على الرغم من أن مكوّنات الإطار لا هى على قلب رجل واحد ولا هى ستخوض انتخابات المحافظات بقوائم مشتركة، وأنا ممن يعتقدون أن تحالف الضرورة الذى أنتج الإطار لمواجهة خطر السيد مقتدى الصدر، لن يستمر طويلًا.
من أخطر الشائعات التى انتشرَت مؤخرًا تلك الشائعة الخبيثة التى روّجت لأن الخارجية العراقية تنازَلَت عن مدينة أم قصر للكويت.واستندَت هذه الشائعة إلى توجيه وزير خارجية الكويت الشكر لنظيره العراقى على تعاونه فى إزالة منازل العراقيين المقيمين فى أم قصر، بينما الحقيقة هى أن الإخلاء لم يتّم من مدينة أم قصر بل تم من المنطقة الحدودية التى تفصل بين الدولتين والتى تعود لتحديد إحداثيات الحدود بين الدولتين بمقتضى قرار مجلس الأمن رقم ٨٣٣ الصادر فى ١٩٩٣، والذى وافق عليه مجلس قيادة الثورة العراقى فى ١٩٩٤. وعندما نتأمّل هذه الشائعة نجد أنها تستمّد خطورتها وخبثها من كونها تلعب على وتر الحساسيات التاريخية بين الدولتين كجزء من تداعيات الغزو العراقى للكويت، ولأنها تثير الحميّة الوطنية العراقية من خلال إظهار حكومة السودانى بمظهر الحكومة التى تفرّط فى السيادة العراقية على التراب الوطنى، ولأنها تستدرج من ثمّ الشعبين إلى التراشق وتبادُل الاتهامات على نحو ما شهدناه على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفى هذه الأثناء ارتفعَت أصوات تدعو لمراجعة ترسيم الحدود البرية بين الدولتين على أساس أن قرار الترسيم تمّ فى ظروف كان العراق فيها فى موقف ضعف ولا يملك قراره، وهو مطلب كما نرى يصّب الزيت على النار. وما كادت تهدأ هذه العاصفة حتى أشيع أن العراق عيّن رئيسًا للجنة التفاوض مع الكويت يحمل الجنسية الكويتية، وهو أمر يستحيل تصديقه ابتداءً، دع عنك تداوله. مصدر الشائعة أتى من نائبة برلمانية عُرفت بإثارتها المستمرة للجدل وتنتمى لأحد مكوّنات الإطار التنسيقى، ولهذا الأمر دلالتان، الأولى أن هناك تصميمًا على تفجير قضية الحدود مع الكويت فى هذا التوقيت الحرج، والثانية أن هناك تناقضات بين مكونّات الإطار التنسيقى كما سبق القول. وفى حالة هذه الشائعة كما فى حالة سابقتها تم النفى الرسمى من جانب وزارة الخارجية. بعد ذلك سرَت شائعة أخرى لا تُقّل خطورةً وخبثًا مفادها تنازُل وزارة النقل العراقية لإيران عن جزء من أرض العراق فى أثناء التفاوض على الربط بين مدينة البصرة جنوب العراق ومدينة الشلامجة جنوب إيران بهدف تسهيل انتقال الأفراد والبضائع.هذه الشائعة الجديدة تحرّك بدورها شجون المواطن العراقى العادى بالنظر إلى تاريخ الخلافات الحدودية بين العراق وإيران، ذلك التاريخ الذى أفضى إلى واحدة من أطول وأعنف حروب الشرق الأوسط وهى الحرب العراقية ــــ الإيرانية من ١٩٨٠ حتى عام ١٩٨٨. يضاف لذلك أن الذى أطلق هذه الشائعة يعلم جيدًا حجم الجدل حول النفوذ الإيرانى فى العراق، ويسعى للتشكيك فى صدق توجهات الحكومة الحالية لتحقيق التوازن فى علاقات العراق بجواره الإقليمى العربى وغير العربى، علمًا بأن هذه التوجهات ليست جديدة، بل بدأت مع حكومة حيدر العبادى، واستمرت فى ظل حكومة مصطفى الكاظمى، وها هى تتأكد من خلال حكومة محمد شيّاع السوداني. وكما نفت الخارجية الشائعتين السابقتين نفت وزارة النقل هذه الشائعة، بل أضافت أن العراق استعاد نحو ٥٠٠ متر من أراضيه.
بطبيعة الحال فإن الشائعات السابقة ليست هى الشائعات الوحيدة التى ملأت سماء العراق فى الفترة الماضية، فهناك ما حاول النيل من مكانة بعض أهم القوى الشيعية على الساحة العراقية بالتشكيك فى استقامتها الأخلاقية، ومنها ما حاول التشويش على وضع بعض المصارف العراقية بزعم أنها تخرق العقوبات الأمريكية على إيران. لكن الشائعات التى تتعلّق بالأرض وتمّس السيادة تظل هى الأخطر. والأمر الذى ينبغى أن يلتفت إليه مروجو تلك الشائعات والذين يقفون من ورائهم فى الداخل والخارج معًا، أنه إذا لا قدّر الله تفجّر الوضع فى العراق فلن يكون هناك موضع للحديث عن انتخابات ومقاعد وأغلبية ونفوذ، أفلا يكون إذن بين هؤلاء صوت رشيد؟